محمد بن جرير الطبري

70

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ قال : بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرض ، وهي مزاج هذه الخمر : يعني مزاج الرحيق . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : مِنْ تَسْنِيمٍ شراب اسمه تسنيم ، وهو من أشرف الشراب . فتأويل الكلام ومزاج الرحيق من عين تسنم عليهم من فوقهم ، فتنصب عليهم يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ من الله صرفا ، وتمزج لأهل الجنة . واختلفت أهل العربية في وجه نصب قوله : عَيْناً قال بعض نحويي البصرة : إن شئت جعلت نصبه على يسقون عينا . وإن شئت جعلته مدحا ، فيقطع من أول الكلام ، فكأنك تقول : أعني عينا . وقال بعض نحويي الكوفة : نصب العين على وجهين : أحدهما : أن ينوي من تسنيم عين ، فإذا نونت نصبت ، كما قال : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً وكما قال : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً والوجه الآخر : أن ينوي من ماء سنم عينا ، كقولك : رفع عينا يشرب بها . قال : وإن لم يكن التسنيم اسما للماء ، فالعين نكرة ، والتسنيم معرفة ، وإن كان اسما للماء ، فالعين نكرة فخرجت نصبا . وقال آخر من البصريين : مِنْ تَسْنِيمٍ معرفة ، ثم قال عَيْناً فجاءت نكرة ، فنصبتها صفة لها . وقال آخر نصبت بمعنى : من ماء يتسنم عينا . والصواب من القول في ذلك عندنا : أن التسنيم اسم معرفة ، والعين نكرة ، فنصبت لذلك إذ كانت صفة له . وإنما قلنا : ذلك هو الصواب لما قد قدمنا من الرواية عن أهل التأويل ، أن التسنيم هو العين ، فكان معلوما بذلك أن العين إذ كانت منصوبة وهي نكرة ، ان التنسيم معرفة . وقوله : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ يقول تعالى ذكره : إن الذين اكتسبوا المآثم ، فكفروا بالله في الدنيا ، كانوا فيها من الذين أقروا بوحدانية الله ، وصدقوا به ، يضحكون ، استهزاء منهم بهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ في الدنيا ، يقولون : والله إن هؤلاء لكذبة ، وما هم على شيء ، استهزاء بهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ . . . عَلَيْهِمْ حافِظِينَ يقول تعالى ذكره : وكان هؤلاء الذين أجرموا إذا مر الذين آمنوا بهم يتغامزون ؛ يقول : كان بعضهم يغمز بعضا بالمؤمن ، استهزاء به وسخرية . وقوله : وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ يقول : وكان هؤلاء المجرمون إذا انصرفوا إلى أهلهم من مجالسهم انصرفوا ناعمين حجبين . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس انْقَلَبُوا فَكِهِينَ قال : معجبين . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ قال : انقلب ناعما ، قال : هذا في الدنيا ، ثم أعقب النار في الآخرة . وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يفرق بين معنى فاكهين وفكهين ، فيقول : معنى فاكهين ناعمين ، وفكهين : مرحين . وكان غيره يقول : ذلك بمعنى واحد ، وإنما هو بمنزلة طامع وطمع ، وباخل وبخل . وقوله : وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ يقول تعالى ذكره : وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا لهم : إن هؤلاء لضالون ، عن محجة الحق ، وسبيل القصد وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ يقول تعالى جل ثناؤه : وما بعث هؤلاء الكفار القائلون للمؤمنين إن هؤلاء لضالون ، حافظين